انتهيت قبل أسبوعين تقريباً من قراءة مدخل تراثي مهم جداً , مجلد صغير أسود مذهّب بمئة صفحة تزيد عشرين أخرى , غير ممتلئة الأسطر , ولكنها ذات قيمة وجدانية كبيرة تفوح بغنائية عالية وأوزان أصيلة , ومكمن قيم للموغل قدماً وقيمةً لا يجب أن يفوت مهتماً , إنه الذائد , وإن شئنا فهو ” ذو القروح ” , إنها ترانيم الروح والشعور لدى امرئ القيس وهي رنانة , وتثير نقع الوجدان .
أكثر ما كان مؤيداً لاقتناء الديوان بعد أن كانت تكفي عيادته في المكتبات العامة , هو شارحه ومحققهُ المبدع الأستاذ : حجر عاصي , فهو فتيّ اللغة , لا يغفل عن الأمور الدقيقة , يبدأ في الديوان بذكر خبر الشاعر , و لا يستفيض فيه مع أسفي , ربما لأن الأخبار في حق الجاهليين بالذات غير مؤكدة عند أكثر المتخصصين , فتتهم بالنحل تارةً , وأخرى بما يعتريها من مبالغات الرواة , ولكن وفي رأيي بأن تلك الحوادث هي مما يجب أن يعتبر أسطورة عربية لا بد أن تبقى للزمن القادم , فنحن لنا شخصياتنا الخيالية كما لكل ثقافة شخصياتها , حي بن يقظان , وسيف بن ذي يزن , وغيرها الكثير مما بهت هنا وخبَت , وتوّهج في الغرب عبر معامل الرسوم الفنية والحركية . و مع ما تحاشاه الشارح من أخبار , لم يكُن هناك مناص مما يؤكده شعر الكندي منها , فمر بها في الحاشية أو في أقبال المطالع .
والكتاب يعرض سيرة في ديوان , والشعر وليد السيرة , مادام حادي العيس يحدو , والركب سائر , فيبدأ تأريخ الأحداث شعراً بموت والده وهو مع صاحب له في صليع القابع بموضع في اليمن يُدعى دمون , وينتهي بموته في ناحيةٍ من نواحي الشام سائراً إلى قيصر الروم , وكأنه يرسم خارطة أراضي العرب يذرعها كما هي الآن .
وشاعرنا امرؤ القيس بن حجر بن الحارث , وفي اسمه جده ثور وثور من كنده , ومن هنا هو امرؤ القيس الكندي , يُكنى بأبي وهب , وألقابه ستأتي معنا , فلقد كان ابن ملكٍ على بني أسد , لذا تربى الشاعر في بيئة وثيرة , فنال من لبه حب اللهو , من النساء والصيد , وترجم لهوه شعره , فكتب معلقته التي يلفت انتباهي بها بيتان تفصح عما كنت أقول من لهوه يقول :
وَيَومَ عَقَرتُ لِلعَذارى مَطِيَّتي – فَيا عَجَباً مِن كورِها المُتَحَمَّلِ
فَظَلَّ العَذارى يَرتَمينَ بِلَحمِها – وَشَحمٍ كَهُدّابِ الدِمَقسِ المُفَتَّلِ
وفي البيتين ضرب من لهوه , وربما إراقته المال من يديه , وهنا صورة فرائحية لا يجب أن تفوت , المطية معقورة , ناقة كبيرة الرحل على جنبها , والنار مُضرمة للشواء , والليلة مكتظة بضحك الفاتنات وهن يرمين بعضهن باللحم كناية عن ترفهن , وفرحهن بشاعرنا أو أميرهن ! , و ياللفرح البريء !
كره أبوه منه قوله الشعر , ولقد كان منكراً في الملوك عند العرب , وحاول إعماله في أمواله , فلم يجِد منه صدىً , فطرده بعد أن ضاق به , فهام لا يشغله سوى الترحال , والصيد , وربما قل ماله يوماً فأنشد مثل هذا :
ووادٍ كجوفِ العيرِ قفرٍ قطعتُهُ – بهِ الذئبُ يعوي كالخليعِ المُعيّلِ
فقلتُ لهُ لما عوى إن شأننا – قليلُ الغِنى إن كُنتَ لما تموّلِ
كِلانا إذا ما نالَ شيئاً أفاتهُ – ومَن يحتَرِث حرثي وحرثكَ يهزلِ
بل إن أباه كان قد أمر رجلاً اسمه ربيعة بأن يقتله لكراهته فيه هذا الأمر , فمضى به ربيعة وهو لا يعلم إلى جبل شاهق , وتركه هناك , واقتلع عيني جؤذر وأتى بهما أباه , فوجده قد ندم , فأخبره حقيقة أنه لم يقتله , فقال أبوه ادعهُ لي , فرجع له ربيعة فقال له هذه الأبيات :
فلا تُسلمنّي يا ربيعُ لهذهِ – وكنتُ أراني قَبلَها بكَ واثقا
مُخالفةً نوى أسيرٍ بقريةٍ – قرى عربيّاتٍ يَشِمنَ البوارقا
فإمّا تريني اليومَ في رأسِ شاهقٍ – فقد أغتدي أقودُ أجردَ تائقا
ولقد جهدَ شاعرنا في ذودِ الشعرِ عن نفسهِ , بل إن لقبه ” الذائد ” اختفى وراء أبيات سأوردها آتياً , وأنا أستبعد نسب هذه الأبيات لغيره , لأن الشعر لم يكن ممنوعاً على أحد , كما منع في حق امرئ القيس يقول :
أَذود القَوافيَ عَني ذيادا – ذيادَ غلامٍ جَرىءٍ جَوادا
فَلَمّا كثرنَ وَعَنَّينَهُ – تَخَيرَّ مِنهُنَّ سِتا جِيادا
فَأَعزِلُ مَرجانَها جانِباً وَآخذَ مِن دُرِّها المُستَجادا
بعد هذا , كان عدلت السيرة معدلاً واضحاً , وطرأ عليها التغيير في شخصياتها , ولا سيما محورها الرئيسي الكامن في امرئ القيس , فالأب الملك يقتله أحد أفراد مملوكيه , والابن يصبح بعد ليلة سكره في طرائق الجد والحرب , ويعلن رحلة الحياة الجديدة .. إلى الموت ! , وفي تفاصيل موتة الأب أنه أوصى من يذهب إلى أبنائه كلهم يبدأ بكبيرهم نافع ويصل إلى ابنه الضليل , وأن يستقريهم واحداً واحداً , فمن جزع منهم فلا يعهد عليه بطلب الدم , وكلهم جزع , وحين وصل الرسول إلى شاعرنا , وجده يلاعب بالنرد نديماً له في مكان بحضرموت يدعى ” دمون ” فلما بغتهما الخبر , أمسك نديمه وكان له اللعب , فأمره بأن يرمي فرمى , وقال : ما كان لي أن أقطعك, ثم التفت للرسول وسأله عن أمر مقتل أبيه فأخبره ,
فقال مقولته السائرة ” لقد ضيعني صغيراً وحملني دمه كبيراً , لا صحو اليومَ ولا سُكرَ غداً , اليومَ خمر وغداً أمر ! , فارتجل ساعته لندمائه :
خليليّ ما في اليومِ مصحى لِشاربٍ – ولا في غدٍ إذا كان ما كانَ مشربُ
,
وأتبعها في مكانهِ أرجوزته الجميلة , بعد أن استوعب أمره , وهي أرجوزة أصبحت ترد على لساني كثيراً منذ قرأتها , وكأنه يستشهدُ المكان :
تطاولَ الليلُ دَمونْ – دمونُ إنّا معشَرٌ يمانونْ – وإنّنا لأهلِنا مُحبُّونْ
,
ومن هنا طرأت الطوارئ على قصائدِ الديوان , فصبغته بألوان الثأر والحرب ومنها :
تَاللَهِ لا يَذهَبُ شَيخي باطِلا
حَتّى أُبيرَ مــالِكاً وَكاهِلا
القاتِلينَ المَــلِكَ الحُلاحِلا
, وتتنقل الأبيات تارةً في مدح المحالفين , وتارة في هجاء الخاذلين , ولعل أبرز ما كان لي أن أتوقف عنده , رحلته الطويلة إلى قيصر الروم , وهي تحقق انكسارات عنيفة في نفس الشاعر , حيث يسري هو وصاحبه فتبدأ قصيدته الرائية الفاتنة :
سَما لَكَ شَوقٌ بَعدَما كانَ أَقصَرا – وَحَلَّت سُلَيمى بَطنَ قَوِّ فَعَرعَرا
كِنانِيَّةٌ بانَت وَفي الصَدرِ وُدُّها – مُجاوِرَةٌ غَسّانَ وَالحَيُّ يَعمُرا
بِعَينَيَّ ظَعنُ الحَيِّ لَمّا تَحَمَّلوا لَدى جانِبِ الأَفلاجِ مِن جَنبِ تَيمَرى
ويفصح عن وجهته .. عن مجده على الأرجح :
عَلَيها فَتىً لَم تَحمِلِ الأَرضُ مِثلَهُ – أَبَرَّ بِميثاقٍ وَأَوفى وَأَصبَرا
هُوَ المُنزِلُ الآلافَ مِن جَوِّ ناعِطٍ – بَني أَسَدٍ حَزناً مِنَ الأَرضِ أَوعَرا
وَلَو شاءَ كانَ الغَزوُ مِن أَرضِ حِميَرٍ – وَلَكِنَّهُ عَمداً إِلى الرومِ أَنفَرا
فيجزع رفيقه في السفر , وربما لم يكن يعلم أن مسيرهم سيرمي إلى أبعد من نجد :
بَكى صاحِبي لَمّا رَأى الدَربَ دونَهُ – وَأَيقَنَ أَنّا لاحِقانِ بِقَيصَرا
فَقُلتُ لَهُ لا تَبكِ عَينُكَ إِنَّما – نُحاوِلُ مُلكاً أَو نَموتَ فَنُعذَرا
وفي آخر القصيدة التي تصب في أدب الرحلات حديثاً , تتراءى له أم صاحبه عمرو وقد تأخر ابنها الذي بدوره ليس بأصبر منها عنها :
أَرى أُمَّ عَمروٍ دَمعُها قَد تَحَدَّرا – بُكاءً عَلى عَمروٍ وَما كانَ أَصبَرا
إِذا نَحنُ سِرنا خَمسَ عَشرَةَ لَيلَةٍ – وَراءَ الحِساءِ مِن مَدافِعِ قَيصَرا
إِذا قُلتُ هَذا صاحِبٌ قَد رَضيتُهُ – وَقَرَّت بِهِ العَينانِ بُدِّلتُ آخَرا
ولعمري , أن بيته الأخير في ما أوردنا أعلاه , هو من لب الشعور صادق التجربة وحي الجوانب ومتدفق السليقة .
وفي تلك الرحلة ذاتها , يخيب أمله , فيطرده المنذر والي العراق , فيلجأ للسموأل ثم للحارث بن أبي شمر والي الشام , والذي بدوره شفع له ليلحق بقيصر الروم في القسطنطينية , ولكن يخيب أمله فيمطله بعد أن وعده , وذلك أن أحد بني أسد يقال له الطماح , وشى به لدى قيصر الروم , وكان الطماح هذا قد فقد أحد إخوته في إحدى غارات امرئ القيس , فكانت منه هذه الغدرة , فأهدى كبير الروم شاعرنا بردة بعد أن سممها , ويقال أنها هي التي حاصرته بقروحه في طريق عودته .. وقد قال في سينية تصف قروحه وضنكه , وتسمي من وشى به :
أَلِمّا عَلى الرَبعِ القَديمِ بِعَسعَسا – كَأَنّي أُنادي أَو أُكَلِّمُ أَخرَسا
فَلَو أَنَّ أَهلَ الدارِ فيها كَعَهدِنا – وَجَدتُ مَقيلاً عِندَهُم وَمُعَرِّسا
فَلا تُنكِروني إِنَّني أَنا ذاكُمُ – لَيالِيَ حَلَّ الحَيُّ غَولاً فَأَلعَسا
فَإِمّا تَريني لا أُغَمِّضُ ساعَةً – مِنَ اللَيلِ إِلّا أَن أَكُبَّ فَأَنعَسا
تَأَوَّبَني دائي القَديمُ فَغَلَّسا – أُحاذِرُ أَن يَرتَدَّ دائي فَأُنكَسا
فَيا رُبَّ مَكروبٍ كَرَرتُ وَراءَهُ – وَطاعَنتُ عَنهُ الخَيلَ حَتّى تَنَفَّسا
وَيا رُبَّ يَومٍ قَد أَروحُ مُرَجَّلاً – حَبيباً إِلى البيضِ الكَواعِبِ أَملَسا
يَرُعنَ إِلى صَوتي إِذا ما سَمِعنَهُ – كَما تَرعَوي عيطٌ إِلى صَوتِ أَعيَسا
أَراهُنَّ لا يُحبِبنَ مَن قَلَّ مالُهُ – وَلا مَن رَأَينَ الشَيبَ فيهِ وَقَوَّسا
وَما خِفتُ تَبريحَ الحَياةِ كَما أَرى – تَضيقُ ذِراعي أَن أَقومَ فَأَلبِسا
فَلَو أَنَّها نَفسٌ تَموتُ جَميعَةً – وَلَكِنَّها نَفسٌ تُساقِطُ أَنفُسا
وَبُدِّلتُ قَرحاً دامِياً بَعدَ صِحَّةٍ – فَيا لَكِ مِن نُعمى تَحَوَّلنَ أَبؤُسا
لَقَد طَمِحَ الطَمّاحُ مِن بُعدِ أَرضِهِ – لِيُلبِسَني مِن دائِهِ ما تَلَبَّسا
أَلا إِنَّ بَعدَ العُدمِ لِلمَرءِ قَنوَةً – وَبَعدَ المَشيبِ طولُ عُمرٍ وَمَلبَسا
إيه , ولكنها نفس تساقط أنفسا ! .. وقد قدمت القصيدة أعلاه كاملة لفرادتها وسبقها غيرها , وهناك الكثير على هذه الشاكلة ولكنه في ذات السياق ومنها حديثه للمدفونة قريباً من جبل عسيب ” أجارتنا إن الخطوب تنوبُ ” , سأختصره تجنباً للتطويل .
بقي أن أقول أن الديوان رغم حوشي اللفظ فيه إلا أنه جميل المعاني , بل إن بعض المعاني تعجب منه ومن رقته وحلاوته وهو من هذا الرحالة الصلب الكار في أمهات الحروب , وقبل ألف وخمسمئة سنة , يقول في الغزل :
كأن المدام وصوب الغمام – وريح الخزامى وذوبَ العسَلْ
يعل به برد أنيابها – إذا النجم وسط السماء استقلْ
مات الشاعر في أنقرة لأربعين سنة وخمسمئة ميلادية , بعد أن مزقه هذا القرح , و هو يظل في نهاية المطاف حامل لواء الشعر إلى النار ومعه فيه كثيرون – نسأل الله النجاة – , وصفه صلى الله عليه وسلم حين ذكر أمامه فقال ” هو شريف في الدنيا , وضيع في الآخرة , هو حامل لواء الشعر يتدهدى به إلى النار ” , صدق بأبي هو وأمي , فإنه أعطي جوامع الكلم و كان أعلم الناس بكلام العرب ودسائسه , والله أعلم .