تنسيم

by

ليس وفائي لهذا المكان قليل والله , ولكني هذه الفترة لا أقترف أشياء جديدة تستحق الإطلالة الكتابية , فقط أردد ما قال شاعر العامية ” ما به جديد ! ” في كل مرة أحاول إراقة حبر , عموماً هذه محاولة سرد جديدة يا صحبتي , لا أعلم لم أراود السرد بين حين وحين , ربما لأنه لا يحتاج كلفة الشعر وتوخيه , أقدم هذه المحاولة لا لجودتها , فهي محاولة في الطريق فقط كما أسلفت , ولكن لأنال شيئاً من توصياتكم وملاحظكم , فهي عين الاعتبار ..
حتى إشادتكم ستكون معتبرة ! .

,
“ما الذي يجعل أحدنا يتصحّرُ تحت المطر ؟! ” , رشّ دخاناً أغبرَ كحاله من رئته الواحدة , ونبلَ سيجارته الطائشة وهي ترمي شرراً هلامياً فوق سياقها المتّصل , عاد بظهره ليسندهُ على شجرةِ الأثل – ترمقُهُ من علٍ – كالأم البدينة وهي تطهو وعند رجليها يعتلي الصغير الجائع بطحاءَ الأمل ! , تفتح ذراعيها للرائي من بعيد , هي نادلة الأرض السخيّة , كمصلوب بعيد يتمطّى داخل كشحِ الغيم ذي اللحى والأعجاز الشاسعة , سهمٌ ينسلُّ في أجنحة ِطائرٍ رماديٍّ يملأ الأفق ويزيد قليلاً ثم يستدير ضباباً تحمله جزيئات الأنفاس , انزلقَت من وجنة الشجرة دمعةٌ من الماءِ البلوري فطرقت رأسه أو قبة الصوفي المستقرة أعلى جسده (لا فرق هنا ذا دلالة) , هو – ذلك الرأس- قبة جلديةٌ وكفى ! , مغلفة بالطل واللون الباهت , كان قاعاً من القيعان تظهر في لمعانه قبة السماء العظمى بكل غيمة فيها .. وكل طائر يعبر بلا نديمٍ ولا وطن ! , قال ولم يسمعه أحد : شجرةٌ عجوز ! , وصرّت أسنانه وهو يفتت ورقة المنفى الأولى بين يديه , يحملق في شتاتها , يخرج لسانه قليلاً ويتلذذ بذاك الفعل الشاذ , غارت عيناه حتى اختفت وعادت مراراً , حاجباه معقودان , يعقدهما البؤس المرّ لا غير ! , ويُغلظ في العقدة . قال بصوت واضح باغت صمته وانحشاءه ” لماذا ؟! ” .. أردف بمعزل عن سؤاله , وبصوتٍ كاد يصبح رخيماً لولا ألطاف الله : ” كل هذا ! ” … وأغمض عينيه , وانسدل في همه من جديد , والشجرة كحالها أول مرة , , , كالأم , كالنادلة , كالمصلوب , , كالسهم ,,, لا تهتز ! .
فتح عينيه , وانهمر المشهدُ من غيمة الذكرى , أبوه يمسك بيديه كالكلاليب الشبقة , وسيّد القريةِ يحوقل ويومئ ببدنه الذي دفنته العباءة , بدأ هامساً من حيث لم يعلم بأن صوته بلغ الثقلين حتى النُّطف :
-هذا الفلْقُ في رأس ابنكَ , مدخل للجنون وللرياح الخبيثة .
-أهو -في علمكَ- ما يحرضه على ابتداع الطلاسم , واستمالة الخدور ؟!
أغمض عينيه بشده , وتحسس الندبة في نعومة الصلع الوقور , وقرر ألا يتذكر , الذكرى مُرة وتسبب السهر الطويل , , الذكرى قهوة العذاب ! , ايوالله . ضرب صدره بمجمع كفهِ وتأوه , أفرز المزيد من الرذاذ البارد والتبغ المحروق , وكأن فمه كهف الساهرين في الدفء , دبّ الظلام في الأرجاء ولم ينسَ أوصاله المنهارة إلا من حبل التجلّد , إن الظلام سلاح قديم تحمله رياح الشمال , يقتل الأفئدة بدم بارد كسائل الفريون المُسال , جمع وهو يهرع قشاً وأوراقاً جافةً وأضرمَ نارَ الوطن الجديد البعيد , وفي القرية .. كان اللهبُ يعلو الرقابَ بقليل .
,
كان اللفيف يحيط بالشعلة الضخمة كأنه جمع المجوس في المعبد بين السواري , وسيّد القرية في كنف العباءة ذاتها ينفخ النار بفم ابنه ” عويج ” من فوج العسس , “ولدي انشغل بحفظ أمن العبادِ عن النسوة ” هكذا يقول أبوه عنه دوماً بلهجة المبرر و الفخور , والحق أن اختفاء القاصرين من أمام مدارسهم لم يكن حينها يثير حديثاً مهماً , المهم الآن , أن النار لا زالت تجود بزفيرها الممتد كامرأةٍ في مأزق الوضع , والقابلة “عويج” تجاوزاً !! .
شق صفوف الهاتفين غلام ربطَ قميصه على خاصرته , ليست له عضلات واضحة , كان يحمل صفيحة تفيض بالورق المنكمش والمبعثر والمتكسّر كالبلّور الأبيض المصفر والأغمق أحياناً , وانبثّ الورق في النار بعدها بقليل كفراشات السعير , وكبّر القوم , ومن النساء من ذهبت زغاريدها إلى السماء الثانية , وصفقت نساء أُخَرْ .. هنّ – لا ريب – لم يكُنّ إذ ذاكَ في روعة أن البئر اصطادت نفساً أخرى ! , بل كانوا في شغلٍ وفرحٍ مدّ يده بوهنٍ لآخر الليل , أنثى منهنّ هناك كانت وحدها تنتحب في الظلام, تحثو التراب الناعم على رأسها الحاسر ولا أحد يعلّق أو حتى يلتفت .
وعلى الحشد كله , بعيداً عنه .. ورقةٌ واحدةٌ كانت ترتحل عن المشهد , تفرُّ من النار باتجاه القمر الساكن في الأعالي , تباري ورقة شجر يابسة نجت هي الثانية من الأرجل الدائبة الدابّة , ورقتان , واحدةٌ لم تحترق واخرى لم تصبح فتاتاً تلتقيان فوق القرية المشتعلة .. والمليئة بالأرجل ! , هذا في القَدَر ! .
كانت الورقة ترمي الحبر في النسائم الخرساء :
“أحَلامُنا المشرّدةْ
سترسمُ الدروبَ في ضَيَاعِنَا ,
وتُطلقُ المطَامِحَ المُقَيّدَةْ ! …
بعد عام واحد استقرت قصاصةٌ متأرجحة من صفحة قديمة على شرفة المدرسة , فاختطفها تلميذ شارد عن الدرس , ووضعها في حقيبته .

تمت

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s


Follow

Get every new post delivered to your Inbox.